الراغب الأصفهاني
522
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقيل لبعض الشطرنجيين ذلك ، فقال : شاه مات . الكفن لما حضرت زياد الوفاة ، قال له ابنه : يا أبت قد هيأت لك ثوبين لكفنك ، فقال : يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من هذا ، أو سلب هو شر منه . وأوصى عبد الوهاب الأفريقي أن يكفّن في عباءته وقال : إني ختمت فيها ثلاثة آلاف ختمة . الطّواعين الطواعين المشهورة في الإسلام خمسة منها : طاعون شبرويه في المدائن سنة ست من الهجرة ، وطاعون عمواس في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وطاعون الجارف سنة تسع وستين في شوال هلك في ثلاثة أيام كل يوم سبعون ألفا ، مات لأنس بن مالك فيه ثلاث وثلاثون ابنا ، ولعبد الرحمن بن أبي بكر أربعون ابنا ، ومنها طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة ، كان يحصى في المربدة كل يوم عشرة آلاف جنازة . وقال بعضهم : رأيت في المنام في أيام الطاعون أنه أخرج من داري اثنتا عشرة جنازة وكنا اثنتي عشرة نفسا فمات منّا أحد عشر ، فما شككت في أني تمام العدة ، فخرجت يوما وعدت إلى داري فإذا لصّ قد دخل الدار يسرق ما فيها ، فطعن ومات من ساعته فأخرجنا جنازته . ومات أهل دار ولم يبق فيها أحد فدخلوا الدار بعد أربعة أشهر ، فإذا صبي في الدار يحبو ، فنظروا فإذا كلبة تأتيه وترضعه ، وكانت الدار تصبح وفيها خمسون وتمسي وليس فيها أحد . وقال بعضهم : تزوجت بامرأة ودخلت بها في أهلها ، فخرجت وهي في عشيرتنا ، فعدت فوجدتهم قد ماتوا كلهم وكان لا يجزع أحد على أحد لخوف كل أحد على نفسه . وأول ما أحدث : كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت أيام الطاعون . من استصوب الهرب من الطاعون تقدّم خبر عمر مع المغيرة في أول الكتاب ، وأراد هشام أن يهرب من الطاعون فقيل له : لا تخرج فالخلفاء لا يطعنون . ولم يسمع بخليفة مات مطعونا قط ، فقال لهم : أتريدون أن تجربوا ذلك فيّ . النهي عن ذلك كتب بعض عمال عمر إليه : إن الطاعون قد نزل بنا فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في إتيان قرية خربة ، فوقّع في كتابه : إذا أتيت القرية الخربة فسلها عن أهلها والسلام . وكتب شريح إلى صديق له هرب إلى النجف من الطاعون : إن المكان الذي أنت فيه يعين من لا يفوته طلب ولا يعجزه هرب ، والمكان الذي خلفت لا يعجل إلى امرئ حمامه ، وأنت وهم على بساط واحد وإن النجف من ذي قدرة لقريب .